سعيد عطية علي مطاوع

231

الاعجاز القصصي في القرآن

4 - ونلمس ذلك في قوله تعالى على لسان هذا القائل من إخوة يوسف : " . . . إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ " ، فتعليق رأيه على هذا الشرط يوحى بأنه غير موافق على التخلّص من يوسف ، وإنما هي الاستجابة لرأى الأغلبية ، والإذعان عن غير اقتناع . . 5 - ونلمس ذلك في عبارة يوسف : " مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ . . . " . . . ولم يقل : إلا من سرق ، فأتى بالعبارة الدقيقة التي تؤدى الغرض منها معرض الحديث ، والتي لا يخرج بها يوسف على الواقع المجهول ، وهي براءة أخيه من السرقة ، فعبارة " مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ " لا تنفي التهمة فتكشف خطة يوسف ، ولا تثبتها فيكون متجنّيا على برئ . . . 6 - ونلمس ذلك في قوله تعالى : " فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ . . " حيث أقحمت ( أن ) بين ( لما ) ، و ( جاءَ ) ، لتضيف إلى المضمون اللغوي إيحاء بأن هذا الحديث الغريب المعجز كان متوقعا " فلما أن جاء البشير " فكأنّ هناك من ينتظر هذا المجيء ، فلما تحقق ذلك المنتظر ترتب عليه ما ترتب من إلقاء البشير قميص يوسف على وجه أبيه ، ويرشح هذا الإيحاء أن يعقوب كان يحسّ في داخله بشيء من ذلك ، فهو القائل لبنيه حين فصلت العير : " إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ " فالتوقع كان موجودا ، ولا يناسب ذلك الحال تعبيرا عما حدث بدون ( أن ) ، كما أن مجيء أن ) في الجملة يمدها بإيحاء آخر يكشف عن طول السفر وبعد ما بين يوسف وأبيه ، فزمن المجيء ليس مستمرا ولكنه مقطوع لطوله ، فهو مراحل ، وكلمة ( أن ) هي التي تعطى هذا الإيحاء . . . " فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ " ، فالجملة بدون ( أَنْ ) لا تحمل هذا الإيحاء ، ومن ثمّ كانت ( أَنْ ) هنا ضرورية لإعطاء المتلقي تصويرا للفعل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف ومجيئه . وهكذا يتقرّر لدى من يتأمّل البيان القرآني أن هناك وحده شاملة تسري في خلال القصة ، بحيث لا تنبو فيها عبارة واحدة عن مسار القصة ، ولا يشذ فيها موقف واحد عن المقصد منها ، وبحيث لا يفتقد المتأمل فيها من المؤمنين أسباب الهدى والرحمة .